قرأت لك ...المعارضة حق .. وواجب ايضاً  
العودة إلى المقالات

قرأت لك ...المعارضة حق .. وواجب ايضاً

 

 
        المعارضة في الإسلام ليست حقا فقط، ولكنها واجب وتكليف شرعي أيضا!(1)
        وعندما يطالع الباحث النصوص الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية . ومختلف التوجيهات التى تخللت الخطاب الاسلامي في العهد الراشدي، فإنه يخرج بانطباع مؤداه أن مجمل الخطاب الاسلامي يحث المسلمين ويحرضهم على المعارضة، ويجعلهم في حالة استنفار دائمة للتصويب والتصحيح، بل والتمرد إذا لزم الأمر.
        الركيزة الاساسية لذلك الخطاب تتمثل في التكليف الشرعى للكافة بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الذي وصفه الإمام أبو حامد الغزالي –عن حق – في " احياء علوم الدين " بأنه : القطب الأعظم للدين .
        لقد " مسخ ذلك التكليف في ممارسات عديدة معاصرة ، حتى حوصر في النطاق الأخلاقي دون غيره ، لكنه في صلب التجربة الإسلامية ، وعند عموم أهل العلم ، مصطلح سياسي بالدرجة الأولى، بله جوهر الأساس القيمي لعملية التغيير، سواء كان ذلك على مستوى الفرد أو الجماعة أو الأمة " (2).
 
        وكان مالك بن نبي – الفيلسوف الجزائري – مصيبا للغاية حين أورد الحديث " من رأي منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، وإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الايمان " ثم عقب عليه قائلا إنه بمقتضاه فإن رسالة المسلم في عالم الآخرين لا تتمثل في ملاحظة الوقائع ، ولكن في تبديل مجرى الأحداث ، بردها الى اتجاه الخير، ما استطاع إلى ذلك سبيلا"
 
        ولأنه تكليف ، بمقضاه يجب أن ينكر المسلم كل اعوجاج أو خطأ يصادفه ، طبقا لظروفه ، فإنه يتجاوز الحق إلى الواجب. " والفارق بين الاثنين هو الفارق بين الواجب والمباح .. فمجرد إباحة أمر من الأمور لا تلزم الناس بإتيانه، ولا توجب عليهم فعله. ولذلك عرّف علماء أصول الفقه " المباح " بأنه ما خيّر المكلف بين فعله وتركه أما " الواجب " فقد عرّفوه بأنه ما طلب على وجه اللزوم فعله بحيث يأثم تاركه "
 
        والفارق بين الامرين أن للحق مغزي سلبيا فقط ، معناه لا يجوز منع صاحب الحق من استعمال حقه ، متى توافرت الشروط المقررة لاستعماله ، وأهمها ألا يسئ صاحب الحق استعمال حقه. بينما الواجب ذو مضمون إيجابي يتميز به عن الحق ، مؤداه أنه يجب على المكلف القيام بأدائه ، وإلا كان آثماً مستحقا للعقاب .
        ومن هنا نتبين مدى الفارق بين تشريع الاسلام لحرية الرأي – بشقيها – وبين التشريعات الوضعية ، التى تكتفي بشق الإباحة ولا تعرف أصلا إمكان إيجاب الرأي على الأفراد . خصوصا واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشمل في عموم أدلته وإطلاقها كل ما يتصور من أمور تتعلق بالحياة العامة للأمة (3)
 
        لقد لعن الذين كفروا من بني اسرائيل في القرآن الكريم لأنهم ( كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ) المائدة 79 ، وتعددت الاحاديث النبوية التى تحذر المسلمين من السكوت عن المنكر ، وتشجعهم على المجاهدة برفض الظلم خاصة . ومن اقوال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الصدد :  
 
o      لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ، أو ليسلطن الله عليكم شراركم ، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم .
 
o      ان الله لا يعذب الخاصة بذنوب العامة، حتى يري المنكر بين أظهرهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه .
 
 
o      من رأي سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله، ناكثا لعهد الله ، مخالفا لسنة رسول الله ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ، فلم يغير بقول ولا بفعل ، كان حقا على الله أن يدخله مدخله .
 
o      لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ، ولتأطرنه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرا ، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض وليلعنكم كما لعن بني إسرائيل.
 
o      سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب ، ورجل قام إلى إمام ظالم فأمره ونهاه فقتله.
 
o      إن من اعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر.
 
لذلك لم يكن مستغربا أن نجد ولاة الأمور في دولة الخلافة الراشدة ، وقد دأبوا على حث الرعية لكي يبادروا إلى معارضتهم إذا ما وجدوا في مسلكهم ما يدعو إلى ذلك .
 
        وأبوبكر الصديق – الخليفة الاول – هو الذي سن سنة الإلحاح على الرغبة في مراقبة الحاكم ومحاسبته ومعارضته ، إذ قال في أول خطبة له بعد بيعتة للخلافة : " إني قد وليت عليكم ولست بخيركم ، فإن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقوموني " إلى ان قال  " أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله ، فلا طاعة لي عليكم "
 
        وهذا عمر بن الخطاب أمير المؤمنين يقول يوما على منبره : " أيها الناس ، من رأى منكم فيّ اعوجاجا فليقوّمه " فيجيبه أحدهم : " لو رأينا فيك اعوجاجا لقوّمناه بحد سيوفنا " فلا يزيد أن يقول : " الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من يقوّم اعوجاج عمر بسيفه ".
 
        وعندما فتح المسلمون ، على عهد عمر بن الخطاب ، العراق والشام ومصر ، حدثت معارضة كبيرة من جمهور كبير من الجند الفاتحين ، وفيهم نفر من كبار الصحابة ، لسياسة عمر الجديدة في الأرض المفتوحة .. حتى لقد كان عمر يستجير بالله من شدة المعارضة وقسوتها عليه .. ثم حسم الخلاف – بعد أن تأزم – بالشورى والتحكيم.
 
        وعندما بويع لأبي بكر بالخلافة ، عارض البيعة له ، وامتنع عن مبايعته فريق من الصحابة ، أنصارا ومهاجرين ، وكان في المعارضين سعد بن عبادة – من النقباء الاثنى عشر - ولقد مات في عهد عمر ، على معارضته لخلافة أبي بكر وعمر ، ودون أن يبايع لهما .. وكان من المعارضين كذلك على بن أبي طالب .. والذي ظل ممتنعا عن البيعة لأبي بكر أشهرا ، قيل ستة وقيل إنها ثلاثة .
 

   3- د. محمد سليم العوا – في النظام السياسي الإسلامي – ص 218   

 

 1 عن كتاب الاسلام والديمقراطية لصاحبه فهمي هويدي الناشر مركز الاهرام للترجمة والنشر الطبعة الاولي 1993 

2 د. سيف الدين عبدالفتاح اسماعيل – التجديد السياسي والواقع العربي المعاصر (رؤية اسلامية ) ص 364 

 


Posted on Thursday, July 03, 2008

العودة إلى المقالات    

الصفحة الرئيسية | من نحن | مقالات | أخبار و تعليقات | ملفات خاصة | البيانات والتصريحات | مجلة الإنقاذ | صوتيات و مرئيات | بريد الإنقاذ | حوارات | كاريكاتير | بحث | إتصل بنا | مواقع ليبية | تعازي
© Copyright 2007 by NFSL
This site is optimized for Netscape 4.0 and Internet Explorer 5.0 or higher. Please download an updated version.