بقلم: د. سعاد الطيف الفيتوري
يسعى النظام الحاكم في ليبيا مؤخراً البحث عن وسائل تمكنه من تلطيف سمعته داخليا واقليميا ودوليا بعد ان تعالت أصوات منظمات ليبية ودولية الى وقف الانتهاكات الواسعة لحقوق الانسان الليبي والكف عن ملاحقة واضطهاد المعارضين لنظام الحكم والافراج عن المئات من المعتقلين السياسيين وتقديم لائحة بأسماء المفقودين من أصحاب الرأي المعارض للحكم. ففي الاسبوع الماضي أعلنت مصادر حكومية ان سيف الاسلام القذافي أطلق ما يسمى بمبادرة جديدة لمصالحة وطنية مع المعارضين السياسيين للنظام الذي ما يزال في السلطة منذ الانقلاب العسكري في ايلول (سبتمبر) عام 1969. وسيف الاسلام الذي يدير بنفسه مؤسسة حكومية يقول انها معنية بالعمل الخيري والتنموي يحاول تسخير هذه المنظمة المزعومة كواجهة لممارسة أنشطة سياسية ودعائية لتبرير سياسات والده.
لقد فات النظام ان مفهوم المصالحة الوطنية لا يعني مجرد دعوة المعارضين المقيمين في الخارج للعودة الى وطنهم أو الافراج عن بعض سجناء الضمير أو شراء ذممهم بوعودٍ تعلمُ هي قبل غيرها انها ليست سوى طُعم تصطادُ به منْ تعتبرهم خطراً يهدد السلطة. ويمكن القول في هذا السياق ان أي مشروع حقيقي للمصالحة الوطنية ينبغي ان يبدأ بخطوة لا يمكن تجاهلها تحت أية ظروف أو تبريرات وهي تسمية المسؤولين دون استثناء عن ارتكاب جرائم ضد المعارضين السياسيين وإحضارهم أمام لجان خاصة ليعلنوا ندمهم أمام الضحايا عن الجرائم التي ارتكبوها ضدهم في السابق، كما جرى إبان تشكيل لجان الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا من إنجاز مثل هذه الحالة، وذلك وفق بند مهم مفاده: 'إجراء لقاءات تتم فيها دعوة الضحايا للتعبير عن أنفسهم وما تعرضوا له بعدما تعيد لهم الكرامة الشخصية. وفي ما يتعلق بالمجرمين ومنفذي الانتهاكات، يتم استدعاؤهم للاعتراف بما ارتكبوه من الجرائم وطلب الرحمة أمام الضحايا و ذويهم'.
العدالة مبدأ يفقد معناه ومحتواه عندما يكون القضاء مملوكاً للطبقة الحاكمة ويستثني أشخاصاً سواء من هرم السلطة أو في مواقع المسؤولية، والشواهد على ان القانون فوق الجميع كثيرة في مجتمعات ليست بعيدة او غريبة عن المجتمع الليبي. فقد أدان القضاء التايلندي الاسبوع الماضي زوجة رئيس الوزراء الاسبق تاكسين شيناوترا ذات النفوذ السياسي والاقتصادي الكبير في البلاد بتهمة الفساد واستغلال المنصب والاثراء عن طريق التهرب من دفع الضرائب، وأصدر حكما عليها بالسجن ثلاث سنوات.
وفي بريطانيا فتحت الشرطة البريطانية تحقيقاً مع عضو في مجلس اللوردات بعد ورود تقارير عن شرائه تذكرة طائرة الى الولايات المتحدة لحضور حفل خطوبة نجله المقيم هناك دفع ثمنها من حسابه المخصص لنفقات منصبه وليس من حسابه الخاص.
أما في ليبيا، فقد قرأ العالم مؤخراً قرار طرابلس وقف امدادات النفط الى سويسرا وغلق مكاتب الشركات السويسرية العاملة في ليبيا واعتقال مواطنين سويسريين ودعوة الليبيين الى عدم السفر الى سويسرا لتفادي التعرض لإجراءات 'تعسفية' حسب البيان الحكومي.
كل ذلك لأن السلطات السويسرية احتجزت هنيبعل القذافي وزوجته منتصف تموز (يوليو) الماضي لمدة يومين للتحقيق في شكوى تقدم بها خادمان في منزلهما في مدينة جنيف السويسرية بسوء المعاملة.
صحيح ان شحنات النفط الليبي قد استؤنفت نهاية الاسبوع وتم الافراج عن الشخصين السويسريين، لكن السؤال المهم الذي ما زال دون اجابة هو: لماذا المغامرة بمصالح البلاد وعلاقاتها الدولية ناهيك عن سمعتها المشوبة أصلاً داخليا واقليميا ودوليا لمجرد ان شخصا مثل هنيبعل أساء التصرف وشاء ان ينتقم؟ وفي ليبيا التي تخضع وسائل الاعلام والاتصالات لرقابة حكومية صارمة، ذكرت تقارير صحافية ان 'مبادرة' أخرى، أطلقها سيف الاسلام القذافي عندما أعلن انشاء موقع على شبكة الانترنيت يحمل اسم ' نداء القذافي' قال انه مكرس للاستماع الى شكاوى انتهاكات حقوق الانسان في ليبيا.
هل ان التغيير الحاصل في مناخ العلاقات الدولية والاصطفافات والضغوطات السياسية الراهنة هي التي تدفع النظام في طرابلس الى ايجاد اكثر من وسيلة للبحث عن موقع على الخارطة السياسية الجديدة في المنطقة؟ كثيرون يقولون ان النظام الليبي يحاول ان 'يُغيّر' دون ان 'يتغَيّر'، فقد رضي بكل أشكال التدخل الخارجي والضغوط والشروط الاجنبية، ودفع تعويضات فلكية جراء 'حماقات' اعترف بالتورط فيها او تمويلها في مطلع الثمانينات من القرن الماضي. وجاء في بعض التقارير ان حكومة القذافي وافقت أخيراً على دفع نحو 16 مليار دولار أمريكي تعويضاً لعائلات ضحايا عمليات ارهابية سابقة.
المفارقة هي ان نظام الحكم ما يزال يحتفظ بحقه 'السيادي' باللعب بمصير المواطن الليبي متجاهلاً ان سلطة القوانين الدولية أصبحت تخترق الحدود المرسومة للدول وتُطَبّق حتى على القاعدين على هرم السلطة، وان أنظار العالم المتحضر ليست بعيدة عن كل ما يجري داخل 'أسوار' الانظمة مهما كان سُمكها او ارتفاعُها.
لقد بلغ الشعبُ الليبي درجة عالية من الوعي والمعرفة ويرفض رفضاً قاطعاً أي 'مغريات' مصطنعة يقدمها النظام في طرابلس لتقديم فروض الطاعة والولاء لها.
ماذا يريد الشعب الليبي؟ لا يريد الشعب الليبي أكثر من أن يكون صاحب الحق في ثرواته، يتمتع بها ويستغلها على وفق قوانين تضمن له كل ما يترتب على ذلك من حقوق وواجبات.. يريد الشعب الليبي ان يكون صانع قراراته بنفسه خصوصاً تلك المتعلقة بمستقبله وسلامته وأمنه واستقراره.. يريد ان تكون أحكام القانون فوق الجميع ولا يحمي أي شكل من أشكال الحصانة من ينتهك القانون بل يُخضعه للتحقيق والمساءلة القضائية.. يريد المشاركة في ادارة شؤون البلاد ورسم مستقبلها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهذا يعني الغاء السجون السياسية ونبذ نزعة الانتقام والعنف وافساح المجال للجميع للمشاركة في انتخابات حرة ونزيهة تتنافس فيها جميع الافكار والمنطلقات والاراء بصورة سلمية وتحت لواء صيانة الحريات العامة وحقوق الانسان.. يريد المواطن الليبي أن يشعر بالأمن ولا يلتفت يميناً وشمالاً عندما يحاول التعبير عن آرائه بصدد مستقبل البلاد وعلاقاته بدول المنطقة والعالم بعيداً عن التشنج والتسلط والاحساس بالفوقية.. يريد هذا المواطن ليبيا متحضرة مزدهرة تسودها المساواة والعدالة الاجتماعية ومستفيدة من الانجازات الانسانية في مختلف الميادين.
يريد الشعب الليبي ان يمزق تماماً الصورة النمطية التي يرى الاخرون ليبيا من خلالها في الوقت الحاضر.. وكبادرة حسن نية من جانبه، ينبغي على النظام الحاكم في طرابلس الكشف عن جميع حالات الفساد الاداري والمالي والسياسي المستشري على نطاق واسع في ليبيا وتوخي الصرامة في تطبيق القوانين ذات الصلة كوسيلة للحيلولة دون اللــــجوء الى الرشوة خصــــوصا في قطاعي الانشاءات والخدمات العامة، وهذا يســـتدعي وضع نظم ادارية ورقابية وتدقيقية صارمة ومحاسبة المتورطين وبما يضمن الشفافية في التعامل مع هكذا ملف حساس وذي صلة مباشرة بعملية بناء الثقة والتعاون بين المواطنين والاجهزة الحكومية.
ان 'مبادرة' المصالحة الوطنية التي يروج لها سيف الاسلام القذافي ستلقى الفشل لا محالة مثل سابقاتها التي كان قد أعلنها رأس النظام الحاكم دون نتائج ايجابية.. ففي العُرف السياسي تكون المصالحة عادة بين طرفين او اكثر عندما تتوفر النيات الحسنة والرغبات الصادقة.. وليس من جانب طرف واحد يمتلك السلطة والقرار والثروة والقوة ويفرض خياراته على طرف آخر مكبوت وصامت أو مُطارد خشية من الانتقام والثأر.
وعندما يرى المواطن الليبي ان هذه المطالب المشروعة قد تحققت تكون مسالة المصالحة بينه وبين النظام الحاكم قابلة للنقاش والتنفيذ وتتيسر الوسائل والآليات لكي تسترد البلاد بعدها عافيتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتكسر عزلتها وتصبح عضواً فاعلاً في محيطها الاقليمي والدولي.
د. سعاد الطيف الفيتوري
كاتبة وباحثة مقيمة في لندن